الشيخ محمد هادي معرفة

106

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » . « 1 » إنّ جوانب عطاء القرآن الكريم - كتاب اللّه الخالد - للناس كثيرة ومتعدّدة ، لا يحيط بها إنسان مهما استبحر في العلم وظنّ أنّه بلغ من المعرفة ذروتها ، فكلّما بلغ الإنسان شأوا من المعرفة وجد القرآن الكريم أبعد مدى ، لأنّه كلام اللّه الذي أحاط بكلّ شيء علما ، يقول تعالى : « وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ » . . . « 2 » ويقول تعالى : « وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » . « 3 » وكلّما تقدّم العلم وأعطت الأفكار أحسن ما وصلت إليه بحوثها للحياة والأحياء وجد الباحثون ما يحثّهم على الجدّ والتشمير إلى المزيد من الهدي إليه ، وحصلوا عليه من مثل قوله تعالى : « وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها » « 4 » ويقول تعالى : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » . « 5 » والقرآن الكريم يحدو قافلة الذين يسبرون أغوار الكائنات ، ويحاولون الإفادة من كلّ ما خلق اللّه في أرضه وسمائه ، من حيوان ونبات ، وجماد وأفلاك ، وظواهر كونية ، وفي بحار ومحيطات ، وأجواز فضاء ، تميط الأيّام عنها لثاما وراء لثام ، فيبدو العجب العجاب الذي نقول ويقول غيرنا أمامه : « هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ » . « 6 » أجل ماذا خلقَ الّذين من دونه ؟ وآيات اللّه وكلماته ما تزال تتحدّى العُتاة . « إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ » « 7 » وماذا علم هؤلاء وهؤلاء ؟ « وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » . « 8 »

--> ( 1 ) - الأنعام 38 : 6 . ( 2 ) - لقمان 27 : 31 . ( 3 ) - الإسراء 85 : 17 . ( 4 ) - النمل 93 : 27 . ( 5 ) - فصّلت 53 : 41 . ( 6 ) - لقمان 11 : 31 . ( 7 ) - الحجّ 73 : 22 . ( 8 ) - البقرة 255 : 2 . راجع : القرآن الكريم معجزة وتشريع ، ص 185 - 213 .